خليل الصفدي

297

أعيان العصر وأعوان النصر

ويتأدب صغيرهم بأدب كبيرهم ، وقد خلت هذه المدة من نائب يستقر بها أو يستقل ، ويستمد من محاسن هذه الدولة الشريفة أو يشتمل ، وكان المجلس السامي الأميري السيفي أرغون الناصري هو السيف الذي حمدت مضاربه ، وشكرت على اختلاف أحواله تجاربه ، وأرضت وأين من ترضى عزائمه ، وجرد وجرب فلا المجد مخفيه ولا الرب ثالبه ، وأصبح وما كل سيف على عاتق الملك الأغر نجاده ، وفي يد جبار السماوات قائمه هذا إلى ما اتصف به ، من كرم الخلال التي قد فغم « 1 » الخافقين رياها ، والتحق به من علو الهمم التي ملأ فؤاد الزمان إحداها ، وظهر عنه من عز عزم ببعضه يجر طولى القنا وقصراها ، واشتهر به من سجايا لو كفر العالمون أكثرها لما عدت نفسه سجاياها ، فلذلك وقع الاختيار عليه ، ورسم بالأمر العالي المولى السلطاني الملكي الناصري لا زالت أوامره بالسيف ماضية ، ويجد حجته قاضية ، أن يفوض إليه نيابة بعلبك المحروسة ، والبقاعين على عادة من تقدمه في ذلك وقاعدته ، فليتول ما فوض عليه ولاية تحمد منها العواقب ، ويشخص لها طرف الشهاب الثاقب ، ويتسارى في أمنها ومنها أهل المراقد والمراقب ، وينهض بهمته في أمور الدولة المهمة ، ويشمر عن ساعد كفايته في الأوقات التي حراسته في جيدها تميمة ، وسياسته لحسنها تتمة حكمة ، وليقم منار الشرع الشريف ، ويعضد حكمه ، ويعمل في تنفيذ أمره المطاع فكره وعزمه . فإنه الطريقة المثلى والحجة التي من نكب عنها لم يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا ، حتى يكون هو الذي أقام الحق ، وكان على الذي أحسن تماما ، وجلا بشمس العدل الشريف من أفق الظلم ظلاما ، وأعلى المحق على المبطل ؛ لأنّ له مقالا ومقاما ، وليردع المفسد بنكاله ، ويقمع المعتدي بجلاده ، ولا يقال بجداله ، وليجتنب أخذ البريء بصاحب الذنب ، ويحذر الميل على الضعيف الذي لا جنب له ، ويترك صاحب الجنب ، وعمارة البلاد فهي المقدم من هذا المهمّ ، والمقصود بكل لفظ تم له المعنى أو لم يتم ، فليتوخ العدل فإنه أنفع للبلاد من السحب الماطرة ، وألذ لأهل القرى من ولوج الكرى « 2 » في الأعين الساهرة ، فإنه لا غيث مع العيث ، ولا حلم مع الظلم ، وليصل باع من لا له إلى الحق وصول ، وليتذكر قوله

--> ( 1 ) فغم : فغمه الطيب سد خياشيمه والرائحة السدة فتحها والمرأة قبلها كفاغها ، وأفغم بالمكان ملأه بريحه : هو الإناء ملأه . ( 2 ) الكرى النعاس وكرى النهر فحره وبابه رمي ، والكراء محدود لأنه مصدر كارى . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 237 ) .